مناقشات حامية في البرلمان البريطاني وجدل مجتمعي واسع..
جدل قانوني وأخلاقي في بريطانيا حول ختان الذكور.. بين الدين وحقوق الطفل
أثارت مناقشات حديثة في بريطانيا بشأن ختان الذكور جدلًا واسعًا بين الأوساط القانونية والدينية والطبية، بعد أن اقترحت النيابة العامة البريطانية تصنيف ختان الذكور كـ شكل محتمل من أشكال إساءة معاملة الأطفال، وذلك في مسودة توجيهات جديدة تتناول "الإساءة القائمة على الشرف، والزواج القسري، والممارسات الضارة".
تأتي هذه الخطوة وسط قلق واسع من القضاة والمحققين بشأن المخاطر الصحية والوفيات والأضرار الجسيمة الناتجة عن بعض عمليات الختان، خصوصًا عندما تُجرى خارج الأطر الطبية المراقبة.
وأشارت التقارير إلى أن هذه التوجيهات، إن أُعتمدت رسميًا، قد تُغير وجه التعامل القانوني مع الممارسات الدينية المرتبطة بالختان، مما أثار ردود فعل قوية من قبل الجماعات الدينية اليهودية والمسلمة التي تعتبر الختان جزءًا أساسيًا من الممارسات الدينية والثقافية.
تفاصيل مسودة التوجيهات
وفقًا للمسودة، فإن ختان الذكور يُدرج ضمن قائمة الممارسات المحتملة للإساءة إلى جانب ممارسات أخرى مثل فحص العذرية، وترقيع غشاء البكارة، وممارسات يُعتقد أنها تطرد الأرواح الشريرة.
وتوضح الوثيقة أنه على عكس ختان الإناث، لا توجد حاليًا جريمة جنائية محددة لختان الذكور، لكن يمكن أن يُعتبر مؤذيًا أو ضارًا إذا نُفذ بطريقة خاطئة أو في ظروف غير آمنة، وقد يُعد إساءة للطفل.
وأضافت الوثيقة أن تقييم كل حالة سيتم وفق معايير الضرر الجسدي والنفسي المحتمل على الطفل، مما يضع الأطباء والقائمين على الختان الديني تحت مراقبة صارمة، ويثير تساؤلات حول حقوق الأهل مقابل حقوق الأطفال في الحصول على الحماية القانونية.
حوادث سابقة تثير القلق
أعاد الجدل إلى الواجهة حوادث ماضية، أبرزها وفاة الطفل محمد عبد الصمد البالغ من العمر ستة أشهر عام 2023 نتيجة عدوى بكتيرية بعد الختان، وهو ما دفع محققي الوفيات للتحذير من ضعف التنظيم وعدم وضوح من يُسمح له بإجراء العملية؛ كما ذكرت التقارير وفاة أوليفر أسانتي-يبواه عام 2014 بعد تسمم الدم عقب عملية ختان أجراها حاخام.
وبحسب مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، سُجلت منذ عام 2001 سبع وفيات لأطفال دون سن الثامنة عشرة كانت نتيجة مباشرة أو غير مباشرة لعمليات ختان، بما في ذلك ثلاث حالات رضّع نزفوا حتى الموت.
أظهرت هذه الأرقام الحاجة إلى تنظيم أكثر صرامة وإشراف طبي دقيق، مع وضع معايير واضحة لسلامة الأطفال أثناء الممارسة الدينية.
المواقف الدينية
تتباين ردود الفعل بين الجماعات الدينية، حيث عبّر جوناثان أركوش، الرئيس السابق لمجلس نواب اليهود البريطانيين والرئيس المشارك لمنظمة "ميلاه يو كيه"، عن اعتراضه على صياغة التوجيهات واصفًا إياها بالمضللة؛ واعتبر أركوش أن ختان الذكور ممارسة دينية أساسية للمجتمع اليهودي، وتقييدها قد يمثل انتهاكًا للحرية الدينية.
في المقابل، دافعت بعض القيادات المسلمة عن أهمية الختان كجزء من السنة النبوية، معتبرين أن العملية يمكن أن تُنفذ بطريقة آمنة وفق معايير طبية دقيقة، وأن تصنيفها كإساءة للأطفال قد يؤدي إلى إثارة الذعر بين الأهالي وتقويض الممارسات الدينية التقليدية.
الآراء القانونية والطبية
من الناحية القانونية، يرى خبراء القانون أن التصنيف الجديد للختان يهدف إلى حماية الأطفال من المخاطر الجسدية والنفسية، وليس لمنع ممارسة الدين نفسه، مع التأكيد على أن القانون سيطبق فقط في حالات الإهمال أو الضرر الجسيم.
أما الأطباء، فيؤكدون أن الختان، عند تنفيذه في بيئة طبية آمنة، يعد إجراءً آمنًا نسبيًا، لكنه يحمل مخاطر كبيرة إذا تم في أماكن غير مجهزة أو بواسطة أشخاص غير مؤهلين. وتتمثل المخاطر في النزيف، العدوى، ومضاعفات التخدير، خاصة للرضع الذين تقل مقاومتهم للأمراض.
الجدل المجتمعي والإعلامي
أدى نشر الخبر إلى موجة من الجدل على منصات التواصل الاجتماعي، حيث انقسم الرأي بين مؤيدين للنيابة العامة ومطالبين بحماية الأطفال، ومعارضين يرون أن هذا القرار يتعدى على الحرية الدينية ويمس العادات والتقاليد.
كما دعا البعض إلى إشراك الأهل والمجتمع الديني في صياغة أي توجيهات قانونية جديدة لضمان التوازن بين حماية الطفل وممارسة المعتقدات الدينية.
السياق الدولي
تجدر الإشارة إلى أن موضوع ختان الذكور يثير جدلًا عالميًا منذ سنوات، فبعض الدول الأوروبية تتبنى تنظيم صارم أو تشترط موافقة الأهل، بينما تسمح دول أخرى بممارسة الختان بحرية مع إشراف طبي، ما يجعل القرار البريطاني جزءًا من نقاش أوسع حول حقوق الأطفال مقابل الحرية الدينية.
الخطوات المقبلة
من المتوقع أن يتم عرض المسودة على البرلمان البريطاني ومؤسسات حماية الطفل خلال الأسابيع القادمة، لإجراء مراجعات شاملة واستطلاع آراء الخبراء الدينيين والطبيين.
كما قد تضع الحكومة البريطانية لوائح جديدة تنظم كيفية إجراء الختان وضمان سلامة الأطفال، مع تحديد من يمكنه أداء العملية والضوابط الواجب اتباعها.
التوازن بين حماية الطفل والحرية الدينية
يشير خبراء القانون إلى أن التشريع الجديد يهدف فقط إلى حماية الأطفال في حالات الخطر الفعلي، وليس لحرمان المجتمعات الدينية من ممارسة معتقداتهم، لكن تطبيقه الفعلي سيحتاج إلى حساسية بالغة لضمان عدم تأثيره سلبًا على التقاليد والممارسات الدينية المشروعة.
