محمد محمود عبد الوهاب يكتب: الحرب الثانية على إيران وتأثيراتها الأولية على خريطة الطاقة العالمية
أصبح مضيق هرمز كنقطة عبور استراتيجية للملاحة الدولية ( يمر عبره 20% من تدفقات النفط العالمية ) حديث الساعة فى ضوء المواقف الإيرانية وتصريحات الرئيس ترامب وتذبذب أسعار النفط، ويلاحظ أن من أبرز تصريحات ترامب حديثه عن مساعي حل مشكلة الارتفاعات المتتالية للتأمين علي السفن وتطبيق بوالص تأمين جديدة، إذ وعد بوضع نظم تأمين مدعومة من هيئة المعونة الأمريكية بحجم ٢٠ مليار دولار، مع احتمالات توفير مرافقة من البحرية الأمريكية لناقلات النفط والغاز. كما صرح ترامب فى ١٢ الجاري بأنه قد يستخدم الاحتياطي النفطي الاستراتيجي الأمريكي للمساعدة فى خفض أسعار النفط التى تثير قلق قطاعات كبيرة فى الولايات المتحدة من ارتفاع تكلفة المعيشة، علمًا بأن الوكالة الدولية للطاقة وافقت على الإفراج عن 400 مليون برميل من احتياطيات النفط الطارئة
ويبدو أن ترامب وجد فى تصريح بوتين بأنه على استعداد للعمل مع الأوروبيين بشأن إمدادات النفط والغاز، مدخلًا مناسبًا لبدء الحديث عن إمكانية منح النفط الروسي مزيد من الاستثناءات، بعد أن منحت وزارة الخزانة الأمريكية ترخيصًا للهند لمدة 30 يومًا لتسليم وبيع النفط الخام والمنتجات البترولية الروسية المُحملة علي السفن اعتبارًا من 5 مارس 2026، ويصب ذلك التوجه - فى حالة تفعيله - فى صالح الاقتصاد الروسي الذي يعاني بسبب العقوبات وتأثيرها علي عائدات النفط، علمًا بأن وكالة بلومبيرج قد نشرت خبرًا فى 25 فبراير الماضي - أى أيام قليلة قبل اندلاع الحرب الثانية علي إيران - يفيد بنية روسيا خفض توقعاتها للنمو لهذا العام وتدرس خفض سعر النفط فى الموازنة إلى ما بين 45 و50 دولارًا للبرميل.
فى سياقٍ موازٍ وفى ظل تعطل جزء كبير من الصادرات النفطية العراقية عبر الخليج، تناولت وسائل الإعلام تصريحات لمسئولي قطاع النفط العراقي تشير إلى أن وزارة النفط قد طلبت من حكومة إقليم كردستان الموافقة على ضخ ما لا يقل عن 100 ألف برميل يوميًا من نفط كركوك عبر خط الأنابيب إلى ميناء جيهان التركي، ويبدو أن القلق من تراجع إنتاج وصادرات النفط يمثل ضغطًا مباشرًا علي الموازنة العراقية، بالنظر إلى اعتماد الاقتصاد علي مبيعات النفط الخام التى تمثل نحو 90 ٪ من دخل الدولة، وتراجع الإنتاج العراقي بنحو 70 % وتعد العراق أبرز المتضررين من الحرب الثانية على إيران بالنظر إلى مرور أغلب صادراته النفطية عبر مضيق هرمز.
كما يلاحظ أن الهند تتحسب كذلك من نقص الإمدادات واستمرار اضطرابات سوق النفط وقامت شركات التكرير الهندية بشراء نحو 30 مليون برميل من شحنات النفط الروسي مستفيدة من الإعفاء الأمريكي، والمرور عبر مضيق هرمز يمثل أولوية قصوي للاقتصاد الهندي الذي يستورد نحو 90 % من الاحتياجات النفطية، و50% منها يمر عبر مضيق هرمز. تأسيسًا على تلك التحديات يمكن القول أنه بالرغم من السياسات الدافعة للتحول الطاقي والبحث عن مصادر بديلة للنفط، فإن الأحداث الجارية وتداعياتها تبرز بقوة دور النفط كضامن رئيسي لاستقرار الأسواق وفقًا لوجهة نظر عدد كبير من المراقبين ومراكز الفكر، أخذًا فى الاعتبار أن الفترة التى سبقت إعلان الحرب الثانية علي إيران قد شهدت ضغوطًا متنوعة على قطاع النفط الإيراني مع استمرار تشديد العقوبات منع أسفر عن ارتفاع كميات النفط المخزنة بالناقلات العائمة.
ولا يمكن إغفال قيام الصين ببناء مخزون استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة وتحسبًا لاستمرار إضطرابات الإمداد، وكثفت بكين من مشترياتها من النفط الخام، إذ بلغت وارداتها ما يقرب من 97 مليون طن فى الشهرين الماضيين وتستحوذ روسيا علي حصة تبلغ 20% من إجمالي واردات الصين وتعمل المصافي الصينية بمعدلات تشغيل مرتفعة.