تحليل قانوني.. كيف سيتعامل “الكاس” مع طعن السنغال ضد الكاف والمغرب؟

الفجر الرياضي

بوابة الفجر

منذ أن أصدرت لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الافريقي قرارها القاضي باعتبار منتخب السنغال خاسرًا واعتبار المنتخب المغربي بطلًا لكأس افريقيا، بدأ تتسلل بعض الشكوك لدى الكثيرون حول ما إذا كان لجنة التحكيم الرياضية (الكاس) ستقوم بتأكيد هذا الحكم أو ستقوم بنقضه.

 وبدأت تتعزز الشكوك لدى البعض، خاصةً بعدما أدلى بعد الخبراء القانونيين بتصريحات تلمح إلى وجود حظوظ كبيرة بأن تسير الكاس في اتجاه إلغاء حكم لجنة الاستئناف التابعة للكاف، وبالتالي، إرجاع اللقب للسنغال. 

واحد من الحجج التي بدأ بعض الخبراء في استعمالها لتعزيز فرضية أن تنجح السنغال في إقناع الكاس بوجاهة موقفها هو مسألة أن ما وقع في مقابلة النهائي يدخل في إطار ما يطلق عليه "وقائع اللعب"، التي تدخل في إطار الاختصاص الحصري للحكم بموجب المادة الخامسة من قانون اللعبة، بمعنى آخر، أنه لا يمكن الطعن في نتيجة المباراة بعدما أعلن الحكم عن نهايتها وفي وقتها القانوني حتى وإن كان الحكم قد أعلن عن ضربة جزاء خيالية أو رفض هدفًا مشروعًا أو قام بطرد لاعب بشكل تعسفي.

وفي هذا الشأن قال الدكتور سمير بنيس المستشار السياسي السابق في الأمم المتحدة أنه إذا قام المرء بقراءة متأنية للوائح الاتحاد الافريقي وللمنهجية التي تعتمدها الكاس في إصدار أحكامها في حالات مثل هذه، سيستنتج أن هناك عدة عوامل ستلعب لصالح المغرب وستثبت أن ما قام به المنتخب السنغالي لا يدخل في إطار وقائع اللعبة أو مخالفات تأديبية خاضعة للتأويل أو للسلطة التقديرية للحكم وإنما في إطار المخالفات المتعلقة بقانون المسابقة والموجبة لعقوبات تلقائية ناجمة عن مواقف واقعية محددة. 

وأضاف في تصريحات صحفية: "أول هذه العوامل هو أن انسحاب المنتخب السنغالي لم يقتصر فقط على الخروج من المستطيل الأخضر، بل امتد إلى الذهاب إلى غرفة الملابس، بل وهناك لاعب سنغالي، إبراهيم مباي اغتنم تواجده في غرفة الملابس ليتواصل على المباشر مع متابعيه على منصة تيكتوك ويقول لهم "لقد سرقت منا الكاس"، فكيف للسنغال أن تدعي أن ما قامت به لا يرتقي إلى خانة الانسحاب الكلي من الملعب في الوقت الذي دخل واحد من اللاعبين الاحدى عشر الذين كانوا في رقعة الملعب لحسابه في تيكتوك وبدأ في الحديث مع متابعيه.

وأردف قائلًا: “في هذه الحالة وحتى وإن رجع المنتخب السنغالي إلى رقعة الملعب، فيمكن أن يرتقي ما قام به إلى صفة الانسحاب الكلي، إذ لم يسبق قط ان قام أي فريق في السابق بهذا التصرف، كما لم يسبق قط أن دخل لاعب لمواقع التواصل الاجتماعي في الوقت الذي كان من المفترض أن يكون في رقعة الملعب”.

تأثير جهات خارجية على مجريات المباراة

وعاد ليقول: “النقطة الثانية المهمة التي ستلعب لصالح المغرب والتي من المؤكد أنه سيستعملها وهي مسألة تدخل جهات خارجية في التأثير على مجريات الأحداث، أولى هذه الجهات هو المدرب االفرنسي كلود لوروا، الذي دخل إلى أرضية الملعب دون أي صفة قانونية وهمس في أذن اللاعب ساديو ماني ونصحه بالتوجه لغرفة الملابس لإرجاع رفاقه إلى الملعب، وقد اعترف لوروا بعد ذلك أنه قال لماني أنه في حال لم يعودوا للملعب، فان المنتخب السنغالي سيتعرض لعقوبة قاسية”.

وزاد: “النقطة الثانية في باب تدخل الجهات الخارجية هو المكالمات التي وقعت بين المنصة الشرفية وغرفة الفار والحكم، والتي أقر بها رئيس لجنة التحكيم التابعة للاتحاد الأفريقي ناهيك عن اعتراف هذا الأخير بأنه طلب من الحكم عدم توجيه بطاقات صفراء للاعبي المنتخب السنغالي، كل هذه الأمور توضح أن جهات تدخلت بشكل أثر على مجريات اللقاء. أضف إلى ذلك المناوشات وأعمال العنف والتخريب التي انخرط فيها الجمهور السنغالي والتي استمرت في اللحظة التي نفذ فيها براهيم دياز ضربة الجزاء”.

واستطرد قائلًا: “كل هذه الوقائع تبطل من مفعول المادة الخامسة التي تقول أن قرارات الحكم لا تلغى، فهذا ينطبق على الأمور التقنية مثل الأخطاء المتعلقة بالأهداف أو بالإعلان عن ضربة جزاء غير قانونية أو البطاقات الصفراء والحمراء، والتي تدخل في خانة العقوبات الانضباطية، أما حينما يتعلق الأمر بحالات ترقى إلى خانة العواقب التنظيمية الخارجة عن سلطة الحكم التقديرية مثل الانسحاب من الملعب والعقوبات المترتبة عنه، فإن سلطة الحكم لم تعد مطلقة أو منيعة ضد أي إصلاح من طرف الأجهزة القانونية للكاف”.

وأكمل حديثه: “في حالة انسحاب المنتخب السنغالي، نحن لسنا أمام حالة متعلقة بتطبيق قانون اللعبة (Law of the Game) التي تدخل في إطار الصلاحيات الحصرية للحكم، بل في إطار لوائح المنافسة التي تدخل في ضمن صلاحيات الجهات المعنية داخل الاتحاد الافريق، بغض النظر عن النتيجة النهائية للمباراة، فإن ما قامت بها لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الافريقي عند دراستها للملف- وبكل تأكيد ما ستقوم به محكمة التحكيم الرياضية- هو التساؤل هل وقع أثناء المباراة أي حدث مخالف لقواعد الاتحاد الأفريقي لكرة القدم”.

وأردف: “بالإضافة إلى واقعة الانسحاب، فإن ما يضعف الموقف السنغالي فيما يتعلق باستعمال حجة استقلال الحكم ونهائية قراراته هو أن هذا الأخير تعرض لضغوطات من جهات خارجية طلبت منه عدم التطبيق الحرفي لقانون اللعبة، في هذه الحالة المادة 12 الموجبة لإشهار بطاقة صفراء في وجه كل اللاعبين الذين غادروا الملعب، وبالتالي فإن الادعاء بأن الحكم طبق قانون اللعبة بشكل مستقل وأن النتيجة النهائية غير قابلة للطعن أو المراجعة من قبل الكاف يعتبر باطلًا”.

وعاود: "وفي حالة ما قام به المنتخب السنغالي، فيظهر بشكل جلي أنه انسحب بشكل كلي من الملعب واستعمل هذا التكتيك كورقة من أجل الضغط ليس فقط على الحكم، بل كذلك على تركيز الفريق الخصم، وهناك فيديو واضح اعترف فيه المدرب السنغالي باب ثياو بأنه طلب من أعضاء فريقه مغادرة اللقاء ولمح بأن انسحابهم أثر على تركيز اللاعبين المغاربة وطراوتهم البدنية، بالإضافة إلى ذلك، فلا يمكن وضع ما قام به المنتخب السنغالي في خانة الاحتجاج، بل في خانة الانسحاب".

وواصل الكلام: “جرت العادة أن يقوم اللاعبون وكذلك الأطر التقنية بالاحتجاج على قرارات الحكم ولكن من خلال البقاء داخل رقعة الملعب، أما هنا ما وقع فهو انسحاب كامل لأعضاء الفريق، بما في ذلك لاعبي الاحتياط والأطر التقنية، باستثناء اللاعب ساديو ماني، من رقعة الملعب والتوجه لغرفة الملابس، وبالتالي ومهما قدمت السنغال من دفوعات للطعن في القرائن التي قدمها المغرب وفي قرار لجنة الاستئناف، فإن هذا الوقائع مجتمعة توفي بكل الشروط التي تثبت أن ما قام به المنتخب السنغالي هو عملية انسحاب مكتملة الأركان موجبة لتطبيق المادتين 82 و84 من لوائح الكاف بغض النظر عما إذا كان الحكم قد أستأنف المباراة أما لا”.

ضرورة تفسير النصوص بطريقة تضمن فعاليتها وتجنب النتائج غير المنطقية

واستطرد إلى ملف أخر وقال: “ومع ذلك قد يقول قائل، مثل الرئيس السابق للجنة الانضباط في الاتحاد الافريقي، رايموند هاك، الذي قال في تصريحات لقناة ESPN أن لجنة الاستئناف التابعة للكاف قد طبقت المادة 84 من لوائحها بشكل غير صحيح وأن الاستخدام الصحيح لها لا يمكن أن ينطبق إلا على الفرق التي انتهكت المادتين 82 و83 بشكر تراكمي وليس على واحدة منهما فقط”.

وواصل: “موقف رايموند هاك مبنى على ادعاء مفاده أن المادة 84 تنص على إقصاء أي فريق يخالف أحكام المادتين 82 و83 ولا تنص على أن ذلك ينطبق على الفريق الذي يخالف أحكام المادة 82 أو المادة 83، حسب هاك فإن تنصيص المادة على وجوب مخالفة المادتين في نفس الوقت وليس تنصيصها على مخالفة واحدة منهما (أي أن القانون لا يقول المادة 82 أو 83) يفتح أمام السنغال الباب للادعاء بأنها لم تخالف المادتين معًا، وهو ما سيعني بطلان سريان مفعول المادة 84 عليها وبطلان قرار لحنة الاستئناف”.

واستكمل: “للوهلة الأولى، قد يُقال إن حجة رايموند هاك قوية من الناحية القانونية، وأن السنغال ربما لديها فرصة للطعن في قرار الاتحاد الأفريقي لكرة القدم من هذا المنظور ما دام أن المادة 83 لم تنطبق عليها وأنها كانت حاضرة في الملعب. إلا أن متانة هذه الحجة تتلاشى عند التعمق في تحليل صياغة المادتين 82 و83، وعند التساؤل عما إذا كان تطبيقهما تراكميًا أم حصريًا”.

وفسر تحليله قائلًا: “إن واحدة من المبادئ التي ترتكز عليها محكمة التحكيم الرياضية عند البث في أي قضية هي التأكد ما إذا كان تحكيمها سيفضي إلى نتائج منطقية تساهم في فعالية اللعبة ونزاهتها وتماسكها، فلا يمكن لهذه الهيئة بأي حال من الاحول إصدار أي حكم يمكن أن يفضي إلى نتيجة غير منطقية، وهو ما ينطبق بالذات على الحجة التي استعملها رايموند هاك، سيكون من غير المنطقي تطبيق المادتين 82 و83 بشكل تراكمي بكل بساطة لأنه لا يمكن لفريق أن ينسحب من رقعة الملعب (وهو ما يدخل في إطار المادة 82) وألا يحضر نفس الفريق في نفس الوقت للملعب (وهو ما يدخل في إطار المادة 83 من لوائح الكاف)، ما يعني أنه لا يمكن للحالتين أن تقعا في وقت واحد: فإما أن تقع الحالة الأولى الموجبة لتنفيذ المادة 82 أو أن تقع الحالة الثانية الموجبة لتنفيذ المادة 83، بمعنى آخر، ينبغي فهم الإشارة إلى المادتين 82 و83 في المادة 84 على أنها تشير إلى فئات الانتهاكات الموصوفة فيها وليس إلى فرض شرط تراكمي، أي وقوع انتهاك تراكمي للمادتين 82 و83، لأن من شأن مثل هذه القراءة أن تحرم الحُكم من أي أثر عملي”.

وزاد في حديثه: “وفقًا للمبادئ الراسخة لتفسير اللوائح سواء من طرف لجنة الاستئناف التابعة للاتحاد الافريقي أو من طرف محكمة التحكيم الرياضية، يجب فهم الإشارة إلى المادتين 82 و83 على أنها تشمل فئات بديلة من الانتهاكات، كل منها قادر على فرض العقوبة بشكلٍ مستقل. وأي تفسير آخر سيؤدي إلى نتيجةٍ غير منطقية وغير مقبولة قانونيًا. وبالتالي، فإن حجة رايموند هاك بأنه لا يمكن تنفيذ المادة 84 إلا في حال وقع انتهاك تراكمي للمادتين 82 و83 تظل ضعيفة ودون جدوى”.

خطر السابقة على نزاهة اللعبة

وشرح النقطة الأخيرة في تحليله قائلًا: “أخيرًا وليس آخرًا، فإن ما سيضعف موقف المنتخب السنغالي وسيقوي موقف المغرب هو أن من شأن ما قام به المنتخب السنغالي أن يشكل سابقة خطيرة من شأنها أن تهدد نزاهة اللعبة وأن تفتح الباب بمصراعيه في المستقبل أمام أي فريق لا تروقه قرارات الحكم”.

وأضاف: “إن الغاية من كل القوانين التنظيمية للمسابقات التي تنظمها الكاف هو ضمان نزاهة المسابقة وتكافؤ الفرص بين الفرق واحترام قوانين اللعبة والقرارات الصادرة عن الحكم، وتحرص الكاس بدورها على ضمان تطبيق قانون اللعبة بشكل يحمي نزاهة المنافسة ويتجنب تشجيع أي سلوك لا رياضي يمكنه أن يسيء لنزاهة واستدامة اللعبة”.

وأكمل: “إن السلوك الذي أبان عنه المنتخب السنغالي يعتبر سلوكًا مخالفًا للروح الرياضية ولقانون اللعبة ومن شأنه أن يشكل سابقة خطيرة قد تهدد استدامة اللعبة، وبالتالي فهناك احتمال جد كبير أن تؤيد الكاس الحكم الصادر عن لجنة الاستئناف التابعة للكاف”.

وأنهى حديثه قائلًا: “في حال قيام الكاس بإلغاء الكاف، وهو أمر مستبعد، فقد تُرسل رسالة خاطئة إلى الفرق واللاعبين حول العالم مفادها أنه بإمكانهم مقاطعة المباريات والضغط على الحكام دون التعرض لعقوبات رادعة، وبما أن دور محكمة التحكيم الرياضي هو ضمان احترام قواعد اللعبة ونزاهتها، فمن غير المرجح أن تُضفي الشرعية على سلوك يُهدد بتقويض المبادئ التي تسعى إلى حمايتها".