تحذير نهائي وللتاريخ.. محمد بن عيسى الجابر يطرح ملف تهامة وحق تقرير المصير في بيان حاسم

عربي ودولي

محمد بن عيسى الجابر
محمد بن عيسى الجابر

إذا كان ثمة من برّر في الماضي قرارات الدخول في الحروب بذريعة الدفاع عن العروبة والأمة، فإن الحقيقة اليوم لم تعد خافية: قرار الحرب والسلام لم يعد بيد الدولة، بل صار رهينة جهة مرتبطة بمشروع إقليمي تقوده إيران. ومن يملك السلاح والمال قد يفرض إرادته، لكن ذلك لا يعني أن الشعوب مطالبة بأن تدفع الثمن. ولقد قلنا في يناير الماضي بأن من يصنع السلام هو المنتصر لا من يصنع الحرب، لأن من يهرول إلى الحروب هو المهزوم والمأزوم. ومن حق الشعوب أن تبحث عن مصالحها، وأن تحمي أبناءها، وأن ترفض أن تكون وقودًا لحروب الآخرين.
كنا وما زلنا نؤمن بأن الكرامة العربية مشتركة، وأن وقوف اليمن مع القضايا العربية موقف مبدئي وواجب قومي، غير أن الصراع الدائر اليوم يختلف، ولا مصلحة لليمن في الانخراط فيه إطلاقًا. فما يحدث هو تهور في أقصى درجاته، ومغامرة غير محسوبة لن تجلب لليمن وشعبه إلا مزيدًا من الدمار والانهيار. واليمن، دولةً وشعبًا، ليس ملزمًا بخوض حرب بالنيابة عن إيران، ولا يوجد أي التزام قانوني أو قومي يُكره اليمنيين على الدخول في هذه المعركة. وأي قرار من هذا النوع، يُتخذ من دون استشارة الشعب وموافقته، ومن غير اكتراث بمعاناته، إنما يمثل اختطافًا لقرار الدولة ولمصير الشعب.
ومن هنا، أصبح تقرير شكل الدولة ضروريًا وعاجلًا لا سياسيًا فقط، بل وجوديًا. اليوم وللأسف هناك حكومة معترف بها دوليًا لا قرار لها، وينخر فيها الفساد طولًا وعرضًا وحكومة في صنعاء غير معترف بها دوليًا تفرض قرار الحرب والسلم دون الرجوع إلى الشعب معتمدة على منطق الاستقواء والمغامرة والمقامرة.  لقد حان الوقت لأن ينجز مشروع الدولة الاتحادية الفدرالية اليمنية المبنية على أقاليم كاملة الصلاحية كحل لبقاء اليمن وصون حقوق شعبه وكرامته. وفي هذا الإطار يكون لكل إقليم الحق الكامل في إدارة شؤونه بنفسه.
في أواخر ديسمبر الماضي، كان لنا موقف واضح إلى جانب أهلنا في حضرموت التي كادت أن تختطفها مجموعة مغامرة مدعومة من جهات خارجية لا تريد لليمن الخير. وفي تلك اللحظة، جاء تدخل المملكة العربية السعودية مشكورًا ليحتوي الموقف، ويمنع تفاقم الأزمة، ويدعم مسار الاستقرار، وبذلك تجاوزت اليمن ذلك الامتحان الكبير.
واليوم يمر اليمن بامتحان أكبر، ستدفع ثمنه تهامة على وجه الخصوص واليمن كله نتيجةَ لمغامرة طائشة يقوم بها الحوثي بجر اليمن وشعبه في حرب لا ناقة له فيها ولا جمل. لذلك فإن إقليم تهامة اليوم، الذي عادة ما ينال النصيب الأكبر من ردود الانتقام ويتأثر الشعب اليمني بأكمله بذلك، من حقه أن يطرح بجدية مسألة تقرير المصير لمنع الحروب المتكررة التي تُفرض على الناس دون إرادتهم واختطافًا لقراراتهم. فعندما تفقد الدولة قرارها السيادي، ويُفرض على الشعب الدخول في حروب لا مصلحة له فيها، تصبح الفدرالية حلًا ملحًا، وقد يغدو تقرير المصير خيارًا سياسيًا مطروحًا لحماية الإنسان والأرض والمستقبل.
الشعب اليمني شعب عزيز وكريم، ولا يحتاج من يزايد على شجاعته وكرامته وإباءه، لكنه أيضًا لا يجب أن يُزج بدمائه ومستقبله في معارك لا مصلحة له فيها. اليمن يجب أن تعلن بوضوح أنها لن تدخل أي حرب إلا دفاعًا عن نفسها، وأن دم اليمنيين ليس ورقة تفاوض ولا وقودًا لمعارك الآخرين.
لقد انتهى زمن المغامرات والقرارات التي تُتخذ بعيدًا عن إرادة الشعوب. فالدول لا تُبنى إلا بالعقل والسلام والمصالح الوطنية، لا بالمقامرات. واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات على اختطاف القرار، أصبحت الدولة الاتحادية هي الحل الأقرب لإنقاذ اليمن، وقد يغدو حق تقرير المصير خيارًا سياسيًا مشروعًا تطرحه الأقاليم لحماية نفسها إذا استمر هذا الاختطاف.
وإذا كان هذا النداء مفاجئًا للبعض فليعذرنا، لأنه نداء نابع من الغيرة على اليمن، على أهله، وعلى الإنسان اليمني الحر الكريم. اليمن يحتاج اليوم إلى دولة قوية لا إلى شبه دولة يقودها مغامرون وفاشلون، ويحتاج إلى قرار بيد الشعب، لا بيد من يملكون السلاح فقط.
إنّ تهامة، التي تمثّل كتلة سكانية يزيد عددها على ثمانية ملايين نسمة، ينتمي شعبها لقبائل عربية أصيلة ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، مثل عك، والأشاعرة من الأزد من قحطان، والحكم من مذحج من قحطان. وقد برز منهم الفرسان والقادة والأعلام والعلماء، كفارس العرب عمرو بن معد يكرب الزبيدي وسيد الفوارس أبي موسى الأشعري رضي الله عنهما، والقائدين الجراح الحكمي وعبد الرحمن الغافقي العكي، والطبيب والفيلسوف الأندلسي محمد بن أسلم الغافقي العكي، وغيرهم كثير ممن تمتلئ بهم صفحات التاريخ فخرًا. ولتهامة موقع استراتيجي فريد على البحر الأحمر، يمتد على خطوط الملاحة البحرية بطول يقارب 500 كيلومتر، من باب المندب وحتى ميدي وحرض، ومن جزر كمران وحنيش وزقر وحتى المرتفعات الغربية لليمن، وهي منطقة غنية بموارد متنوعة ويفتخر بها الجميع، وتمتلك كل مقومات الدولة. ولا يمكن لتهامة أن تكون وقودًا لحروب طائشة، ولن نسمح بأن تدفع الثمن بشواطئها وموانئها وجزرها وثرواتها وإنسانها. والحل الأخير قد يكون الانفصال وإقامة دولة مستقلة كاملة السيادة، دولة تُبنى على أساس المواطنة، وترعى السلم والأمن الإقليمي والدولي، وتمد يدها لحضرموت على الضفة الشرقية.
ومن هنا، ندعو صديقنا الرئيس دونالد ترامب إلى عدم اتخاذ ردٍّ فوري على الأعمال الطائشة، وإلى عدم اعتبار ما حدث قرارًا يمنيًا يمثّل الشعب اليمني بأكمله. كما ندعو الأمم المتحدة، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، والاتحاد الأوروبي، إلى اجتماع عاجل لمجلس الأمن، وإلى إصدار قرار تحت الفصل السابع يقضي بإجراء انتخابات بإشراف لجنة دولية، والبدء في العمل والتحضير لإنجاز دولة اتحادية فدرالية يكون فيها الشعب هو صاحب الكلمة العليا.
وإلا، فإن تهامة ستعلن الانفصال، وتُعلن قيام دولة ذات سيادة ضمن حدودها، وقد قامت فيها دول كان آخرها معترفًا به من الدول الكبرى، ولن تبقى تتحمّل الضربات نتيجة قرارات طائشة يتخذها الآخرون. ونؤكد أن تهامة لديها الاستعداد الكامل للدخول في اتحاد ضمن دولة اتحادية، ونرى في أبناء حضرموت وخطواتهم المباركة، التي نؤيدها تأييدًا مطلقًا، أن الشرق والغرب قد يكونان جناحي إنقاذ لليمن، لأنهما الأكثر جنوحًا للسلم وانفتاحًا على العالم.
وعلى الحوثيين التوقف عن الحديث باسم الشعب اليمني والزج به في أتون حروبٍ وصراعاتٍ مدمرة خدمةً لإيران، وعليهم التوقف الفوري، وأن يتقدموا باعتذارٍ إلى الشعب اليمني في مدة أقصاها 48 ساعة، قبل فوات الأوان. وما لم يفعلوا، فإننا ندعو جماهير الشعب اليمني، من المهرة وحتى صعدة، ومن عدن وحتى ميدي، إلى الخروج والتعبير عن موقفهم وخياراتهم الرافضة لهذا الاختطاف، وأنهم مع السلام والاستقرار وإقامة الدولة الاتحادية.