منال إمام تتناول الصراع العربي الإسرائيلي في كتاب "وثائق الدبلوماسية المصرية"
يأتي كتاب "قراءة وثائقية: في كواليس الدبلوماسية "للمؤرخة الدكتورة منال إمام الصادر عن دار المفكر العربي 2026 ليملأ فراغًا مهمًا في أدبيات الصراع العربي الإسرائيلي، إذ يكشف أن نصر أكتوبر لم يكن نصرًا عسكريًا فحسب، بل كان نصرًا دبلوماسيًا متكاملًا، أُحسن الإعداد له وأدير بعقل الدولة المصرية وحنكة مؤسساتها.
إن هذا العمل الذي لم يكتفِ برصد الوقائع، بل نفذ إلى عمق الوثائق الأمريكية والعربية والدولية، محللًا مسارات السياسة الخارجية في لحظة من أدق لحظات التاريخ المعاصر. لقد أوضحت الكاتبة الدور الحيوي للقوى الدولية، وكيف أسهمت تفاعلات واشنطن وموسكو في تشكيل مسار الحرب ونتائجها. ويكشف الكتاب بعمق الدور المركزي الذي قامت به وزارة الخارجية المصرية قبل وأثناء وبعد الحرب، حيث سعت مصر لأقصى مدى لإيجاد حل سلمي قبل اللجوء للقوة، وهو ما تعكسه اتصالات مستشار الأمن القومي حافظ إسماعيل، والموقف الراسخ الرافض لأي حلول تنتقص من الحق العربي في كامل الأراضي المحتلة.
ومع اندلاع العمليات العسكرية، لم تكن الدبلوماسية المصرية مجرد رديف للميدان، بل كانت جزءًا أصيلًا من إدارة المعارك، توضح مشروعيتها أمام العالم، وتنسق المواقف مع القوى الكبرى، وتستثمر الدعم العربي، وتواجه الانحياز الإعلامي الغربي، وتوظيف سلاح النفط بفاعلية عززت الموقف العربي والمصري في آن واحد.
ويأتي في هذا السياق توضيح الكاتبة من خلال الوثائق الدور المحوري الذي اضطلع به الوزير إسماعيل فهمي في اللحظة الأكثر تعقيدًا من الحرب، خصوصًا بعد التحول الاستراتيجي في 17 أكتوبر وبدء الجسر الجوي الأمريكي لإسرائيل، في ظل ازدواجية كيسنجر وتناقضاته بين خطاب الحياد وممارسات الدعم المباشر لتل أبيب.
ويتناول الكتاب التحول من المعركة العسكرية إلى المعركة السياسية، بدءًا من مفاوضات الكيلو 101 وصولًا إلى التحضير لمؤتمر جنيف، مؤكدًا أن السياسة المصرية لم تكن رد فعل، بل رؤية استراتيجية واعية لكيفية تحويل النصر العسكري إلى مكاسب سياسية مستدامة.
إن هذا العمل ليس توثيقًا فحسب، بل قراءة استراتيجية معمقة تكشف تفاعل الحرب العسكرية والدبلوماسية في آن واحد، وتوضح بجلاء أن مصر خاضت حربين متزامنتين: حرب السلاح في الميدان، وحرب الإرادة والعقل على طاولة المفاوضات، وأن كليهما كانا أساس النصر. ويعد هذا الكتاب مرجعًا مهمًا للمكتبة العربية يعيد الاعتبار لدور الدبلوماسية المصرية، ولرجالها الذين وقفوا في لحظة مصيرية.