رحلة "هيرفي رينارد" مع منتخب السعودية.. إنجازات محدودة وإخفاقات مثيرة للجدل

الفجر الرياضي

هيرفي رينارد
هيرفي رينارد

قرر الاتحاد السعودي لكرة القدم إقالة الفرنسي هيرفي رينارد من تدريب المنتخب الأول، قبل فترة وجيزة من انطلاق كأس العالم 2026، بعد تزايد الانتقادات بشأن تراجع مستوى الأخضر وتصاعد الشكوك حول قدرة الجهاز الفني على تقديم الإضافة المطلوبة في المرحلة المقبلة.

القرار لم يأتِ من فراغ، بل جاء بعد سلسلة من المؤشرات السلبية التي فرضت نفسها على المشهد، خاصة عقب الظهور غير المقنع للمنتخب في معسكر مارس الماضي، وما صاحبه من تساؤلات واسعة حول جدوى استمرار رينارد في منصبه، وسط حالة من القلق بشأن المسار الفني للفريق قبل الحدث الأكبر في كرة القدم العالمية.

تراجع فني عجّل بنهاية التجربة

شهدت الفترة الأخيرة تراجعًا واضحًا في مستوى المنتخب السعودي، وهو ما انعكس على الأداء العام والنتائج، ودفع الاتحاد السعودي إلى التحرك مبكرًا. وازدادت الضغوط على رينارد بعد العروض التي قُدمت في المباريات الودية الأخيرة، والتي لم تنجح في طمأنة الجماهير أو منح انطباع بوجود تطور فني حقيقي يمكن البناء عليه قبل كأس العالم.

هذا التراجع لم يكن مرتبطًا فقط بنتائج مباريات بعينها، بل ارتبط أيضًا بصورة المنتخب داخل الملعب، حيث ظهرت مشكلات على مستوى التنظيم، والفاعلية الهجومية، والقدرة على فرض الشخصية في المواجهات الكبيرة، وهو ما جعل قرار الإقالة يبدو نتيجة طبيعية لمسار اتسم بعدم الاستقرار.

حصيلة رقمية تثير الجدل

رغم العدد الكبير من المباريات التي خاضها رينارد مع المنتخب السعودي، فإن الأرقام النهائية تكشف عن مفارقة لافتة في مسيرته. فقد حقق المدرب الفرنسي خلال 73 مباراة قاد فيها الأخضر 33 انتصارًا، مقابل 15 تعادلًا، وتلقى 25 خسارة، وهي حصيلة تفتح بابًا واسعًا للنقاش بشأن مستوى النجاح الحقيقي الذي حققته التجربة.

وتضع هذه الأرقام رينارد في موقع غير مريح تاريخيًا، إذ يُصنّف بوصفه أكثر مدرب تعرض للهزائم في تاريخ المنتخب السعودي، وهو رقم يعكس حجم التراجع في النتائج، خاصة إذا ما قورن بسقف التطلعات الكبير والإمكانات التي كانت متاحة أمامه خلال فترتيه مع الأخضر.

الولاية الثانية كشفت الأزمة بوضوح

إذا كانت الأرقام الإجمالية تحمل مؤشرات مقلقة، فإن الولاية الثانية لرينارد بدت أكثر إثارة للانتقاد، بعدما فشل خلالها في تقديم الإضافة المنتظرة. بل على العكس، ظهرت ملامح تراجع أكبر في الأداء، وازدادت الشكوك حول قدرة المنتخب على التطور تحت قيادته، ما جعل الانتقادات تتصاعد بشكل مستمر من الجماهير ووسائل الإعلام.

وخلال هذه المرحلة، لم يظهر المنتخب بالصورة التي تتناسب مع طموحات الشارع الرياضي السعودي، كما لم ينجح الجهاز الفني في ترسيخ هوية فنية واضحة أو استثمار العناصر المتاحة بالشكل الذي ينعكس على النتائج، وهو ما جعل هذه الفترة توصف على نطاق واسع بأنها مخيبة للآمال.

تأهل للمونديال بلا بريق كبير

ورغم نجاح رينارد في قيادة المنتخب السعودي إلى كأس العالم 2026، فإن هذا التأهل لم يُنظر إليه باعتباره إنجازًا استثنائيًا في نظر كثير من المتابعين. ويعود ذلك إلى النظام الجديد للتصفيات، الذي منح المنتخبات فرصًا أوسع للتأهل، فضلًا عن أن الأخضر بلغ المونديال عبر الملحق، ما خفف من قيمة هذا الإنجاز مقارنة بالتوقعات التي كانت معلقة على المنتخب.

لذلك، لم يكن التأهل وحده كافيًا لحماية المدرب الفرنسي من الانتقادات أو لضمان استمراره، خصوصًا أن الأداء العام ظل أقل من المأمول، وأن الطموح لم يكن يقتصر على مجرد حجز بطاقة التأهل، بل كان يمتد إلى بناء منتخب قادر على المنافسة والظهور بصورة قوية في كأس العالم.

إخفاقات متتالية في البطولات

على مستوى البطولات، لم يتمكن رينارد من تحقيق أي لقب مع المنتخب خلال مشاركاته المختلفة، وهو ما زاد من حالة الجدل المحيطة بتجربته. فقد خاض الأخضر عدة استحقاقات مهمة في عهده، من بينها كأس الخليج العربي، والكأس الذهبية للكونكاكاف، وكأس العرب، لكن النتائج لم ترتقِ إلى مستوى الطموحات.

في كأس الخليج، ودع المنتخب البطولة من الدور نصف النهائي، فيما انتهى مشواره في الكأس الذهبية عند الدور ربع النهائي بعد الخسارة أمام منتخب المكسيك بهدفين دون رد. أما في كأس العرب، فاكتفى المنتخب بالمركز الثالث بعد الهزيمة أمام منتخب المغرب بهدف دون مقابل، رغم الاعتماد على القوام الأساسي، وهو ما ضاعف من حدة الانتقادات الموجهة إلى الجهاز الفني.

غياب الإنجاز والاستقرار

أبرز ما عاب تجربة رينارد في فترتيه مع المنتخب السعودي هو غياب الاستقرار الفني، وعدم القدرة على تحويل الإمكانات المتوفرة إلى نتائج وإنجازات ملموسة. فالمنتخب لم ينجح في فرض نفسه بشكل ثابت، ولم يتمكن من تحقيق قفزة واضحة تؤكد أن العمل الفني يسير في الاتجاه الصحيح.

كما أن التذبذب في المستوى من مباراة إلى أخرى، ومن بطولة إلى أخرى، جعل الثقة في المشروع الفني تتآكل تدريجيًا، إلى أن وصل الأمر إلى قناعة بضرورة التغيير قبل دخول المرحلة الأهم، والمتمثلة في الاستعداد لكأس العالم 2026.

قرار الإقالة بين الضرورة وضيق الوقت

قرار إقالة رينارد قبل أقل من شهرين على انطلاق كأس العالم يحمل في داخله قدرًا كبيرًا من الجرأة، لكنه في الوقت نفسه يعكس قناعة واضحة داخل الاتحاد السعودي بأن الاستمرار لم يعد خيارًا مناسبًا. فالمسؤولون فضّلوا اتخاذ خطوة التغيير الآن، بدلًا من الذهاب إلى المونديال وسط أجواء مشحونة بالشكوك وفقدان الثقة.

ورغم أن توقيت القرار قد يبدو متأخرًا نسبيًا بالنظر إلى قرب البطولة، فإن الرسالة الأوضح منه هي أن تراجع النتائج والمستوى لم يعد مقبولًا، وأن المنتخب بحاجة إلى صدمة فنية تعيد ترتيب المشهد قبل الظهور في كأس العالم.